ابن تيمية
39
مجموعة الفتاوى
فَصْلٌ : وَالْعَبْدُ كُلَّمَا كَانَ أَذَلَّ لِلَّهِ وَأَعْظَمَ افْتِقَاراً إلَيْهِ وَخُضُوعاً لَهُ : كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ ، وَأَعَزَّ لَهُ ، وَأَعْظَمَ لِقَدْرِهِ ، فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ : أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ . وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ فَكَمَا قِيلَ : احْتَجْ إلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ ، وَاسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ ، وَأَحْسِنْ إلَى مَنْ شِئْت تَكُنْ أَمِيرَهُ ، وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ : بَيْنَ التَّذَلُّلِ وَالتَّدَلُّلِ نُقْطَةٌ * فِي رَفْعِهَا تَتَحَيَّرُ الْأَفْهَامُ ذَاكَ التَّذَلُّلُ شِرْكٌ * فَافْهَمْ يَا فَتًى بِالْخُلْفِ فَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْراً وَحُرْمَةً عِنْدَ الْخَلْقِ : إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمْ بِوَجْهِ مِن الوُجُوهِ ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ إلَيْهِمْ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ : كُنْتَ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ ، وَمَتَى احْتَجْتَ إلَيْهِمْ - وَلَوْ فِي شَرْبَةِ مَاءٍ - نَقَصَ قَدْرُكَ عِنْدَهُمْ بِقَدْرِ حَاجَتِكَ إلَيْهِمْ ، وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَلَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ . وَلِهَذَا قَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ ، لَمَّا سُئِلَ فِيمَ السَّلَامَةُ مِن النَّاسِ ؟ قَالَ : أَنْ يَكُونَ شَيْئُك لَهُمْ مَبْذُولاً وَتَكُونَ مِنْ شَيْئِهِمْ آيِساً ، لَكِنْ إنْ كُنْتَ مُعَوِّضاً لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَكَانُوا مُحْتَاجِينَ ، فَإِنْ تَعَادَلَتْ الْحَاجَتَانِ تَسَاوَيْتُمْ كَالْمُتَبَايِعَيْن لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانُوا إلَيْكَ أَحْوَجَ خَضَعُوا لَكَ . فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ : أَكْرَمُ مَا تَكُونُ عَلَيْهِ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ . وَأَفْقَرُ مَا تَكُونُ